صورة الذكرى الخامسة لزيارة البابا فرنسيس للعراق

دبلوماسي عراقي الكرسي الرسولي كان صوت عزاء في أحلك لحظات تاريخنا

أكتوبر 15, 2026
وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء
عمّار داؤود

روما ـ أكد دبلوماسي عراقي، أن بلاده تنظر إلى ذكرى إقامة العلاقات والكرسي الرسولي بفرحٍ حقيقي، لأنه كان في أحلك لحظات تاريخنا، صوتًا للعزاء ويدًا ممدودة لشعبنا.

وذكّر القائم بالأعمال بالإنابة، في سفارة جمهورية العراق لدى الكرسي الرسولي، عمار داؤود، بأن “البابا بولس السادس، وجّه في خطابه عام 1966، تحيةً لرئيس وحكومة العراق تبدو اليوم وكأنها نبوءة: أدعو الله أن تُكلل جهودهم في إرساء السلام، القائم على العدل ومحبة جميع البشر، بنجاحٍ دائم”.

وأضاف الدبلوماسي في خطابه لمناسبة الذكرى الـ60 لإقامة العلاقات بين العراق والفاتيكان، الذي حظيت مجموعة (أدنكرونوس) الإعلامية بنسخة منه، أنه “بينما نحتفل بهذه الذكرى، لا يسعنا أن ننسى الفترات المظلمة من تاريخنا الحديث، تلك التي عانى فيها الشعب العراقي معاناة شديدة، والتي أظهر فيها الكرسي الرسولي تقارباً حقيقياً وثابتاً ومتواصلاً”.

وتابع، “يُعدّ الصراع الذي دام ثماني سنوات بين العراق وإيران، وحرب الخليج الأولى، من أبرز الأمثلة على عبثية الحروب، التي كانت وحشية، لدرجة أن النظام السابق حكم على الشعب بفترة لا تنتهي من العزلة والمعاناة والدمار”.

وأشار إلى أن “الكرسي الرسولي كان في تلك السنوات، من بين المؤسسات الدولية القليلة التي تحدثت علنًا عن كرامة الشعب العراقي. كانت العقوبات الدولية والأزمة الإنسانية في التسعينيات قاسية للغاية، ودفع المدنيون ثمنًا باهظًا. تدخل الكرسي الرسولي عدة مرات لحثّ الدول على عدم المساس بالفئات الأكثر ضعفًا في الإجراءات الدولية”.

واسترسل: “كما مثّلت حرب الخليج الثانية منعطفًا بالغ الصعوبة، أرسل خلالها البابا يوحنا بولس الثاني بعثة خاصة بقيادة رئيس الأساقفة پول جوزيف كوردس، الذي صرّح في ختامها، بأنّ قداسة البابا قريب من الشعب العراقي الذي يعاني ظلمًا”.

وأوضح داؤود، أن “بالنسبة للشعب العراقي، لم يكن هذا القرب دبلوماسيًا فحسب، بل كان إنسانيًا. وأخيرًا، جاء صعود تنظيمي القاعدة وداعش، وهي مرحلة يمكن وصفها بأنها من أحلك فترات تاريخنا الحديث. وقد ندد الكرسي الرسولي بهذه الفظائع أمام الأمم المتحدة”.

وذكّر القائم بالأعمال، بأن “البابا فرنسيس كتب إلى الأمين العام للأمم المتحدة قائلاً: يجب وضع حد للفظائع المرتكبة ضد المسيحيين والأقليات في العراق”. وفي صلاة التبشير الملائكي في 10 آب/أغسطس 2014، صرّح بشجاعة بشأن الوضع المأساوي في العراق: الحرب لا تُشن باسم الله، والقتل لا يُرتكب باسم الله”. ولذلك، “رأى الشعب العراقي في الكرسي الرسولي آنذاك صوتاً مسموعاً بينما صمت الكثيرون”.

ولفت الدبلوماسي، إلى أن “خلال فترة إعادة الإعمار بعد سقوط تنظيم (داعش 2017-2021)، دعم الكرسي الرسولي إعادة بناء الكنائس والمدارس والمنازل، مقدماً بذلك للعائلات النازحة التي أُجبرت على مغادرة وطنها لا الدعم المادي وحسب، بل المعنوي أيضًا”.

وتساءل داؤود: “كيف لنا أن ننسى الزيارة الأولى التي طال انتظارها لبابا روما إلى أرض إبراهيم؟ التي جرت في آذار/مارس 2021، حين التقى البابا فرنسيس بالشعب العراقي، مرتدياً زيّ الحاج، قائلاً: “أتيت حاجاً”.

وتابع: “لقد صلى في سهل أور، سار بين أنقاض الموصل وأنصت إلى أنين قرقوش. كان حاجًا لم يأتِ باحثًا عن شيء، بل ليُقدّم شيئًا للعراق المُنهك من سنوات الألم والخسارة. وقال للشعب العراقي: جئت إليكم حاجًا للسلام، لأُكرّر: أنتم جميعًا إخوة (متى 23:8). وهكذا أعاد إلينا الأمل الضائع، وذكّرنا بما محته الأسلحة: أننا إخوة، أبناء الأسرة العراقية العظيمة. قال، وهو يواجه الدمار وآثار الرصاص، إن الرجاء أقوى من الموت”. وهكذا، أصبحت تلك الكلمات ركيزة لنهضة العراق، وحاجزًا منيعًا أمام التهديدات الجديدة”.

وأشار الدبلوماسي، إلى أن “هذه نهضة كنسية ووطنية مستمرة حتى يومنا هذا، تنتقل من بابا إلى بابا. شهد الأمر بدايةً سعيدة بزيارة البابا فرنسيس، إعادة بناء المجتمعات المسيحية، استئناف الحوار بين الأديان، وتعزيز التعاون مع السلطات المدنية. كل هذا مهّد الطريق لفصل جديد يتوج اليوم بفرح قداس التتويج الذي أقامه البطريرك الكلداني الجديد، صاحب الغبطة بولس الثالث، مع البابا ليون الرابع عشر”.

وتابع: “لقد احتفلنا بهذا الحدث رمزًا للوحدة، لا على المستوى الكنسي فقط، بل الوطني أيضاً، بهدف إنارة مستقبل العراق ككل. مستقبلٌ من التنمية تدعمه الحكومة العراقية بقوة، والتي تحرص على وحدة شعبها، الذي، على الرغم من الفترات المظلمة القصيرة التي ذكرناها آنفاً، لطالما عاش ويحب العيش في وئام بين مختلف فئاته الاجتماعية”.

وأردف: “إن شعبنا، اليوم أيضًا وأكثر من أي وقت مضى، منفتح على العالم أجمع، لأن طريق التنمية وتعزيز السلام هو طريق نسلكه ونرغب في سلوكه معاً، من أجل خير العراق وازدهار منطقتنا الحبيبة، الشرق الأوسط برمته”.

وذكر داؤود، أن “هذا الاحتفال يتزامن أيضًا مع ذكرى صدور الإرشاد الرسولي فرح الحب (Amoris Laetitia)، الذي يُذكّر بأن الأسرة هي المنبع الأول لتعلم السلام والمصالحة والرعاية المتبادلة. وبمعنى ما، فإن تاريخ العلاقات بين الكرسي الرسولي والعراق، تاريخ أسرة من شعوب تعلمت دعم بعضها بعضًا، احترام بعضها بعضًا، والسير معاً”.

وأردف الدبلوماسي العراقي: “اليوم، في الذكرى الستين للعلاقات الثنائية، يُمكن القول إن الكرسي الرسولي والعراق قد بنيا تاريخًا من الصداقة صمد أمام المحن، تاريخ تعاون أثمر سلامًا، وتاريخًا من الأمل لا يزال يُنير الحاضر والمستقبل”.

وخلص القائم بالأعمال، إلى القول، إن “كلمات بولس السادس عام 1966، البابا فرنسيس عام 2021، شِركة البطريرك الكلداني مع البابا ليون الرابع عشر عام 2026، ونور فرح الحب (Amoris Laetitia) تتلاقى اليوم في احتفال واحد عظيم: احتفال رحلة”.