
الفاتيكان ـ دعا البابا ليون الرابع عشر، إلى “نزع الطابع القاتل عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي”، وحث الدول المشاركة باجتماع جنيف المقرر الشهر المقبل على “اتخاذ خطوات ملموسة لحظر الأسلحة ذاتية التشغيل”.
ووفقاً لما نشره موقع (فاتيكان نيوز) الإخباري، فقد استقبل البابا المشاركين بمؤتمر للأكاديمية الحبرية للحياة، بالتعاون مع معهد “مستقبل الحياة”، تحت عنوان: “مستقبل الذكاء الاصطناعي. حوار بين الفاتيكان وعالم العلم بشأن تطوير وتطبيق التكنولوجيات الذكية”.
وبالمناسبة، وجه لضيوفه خطاباً حذر فيه من “المخاطر الأخلاقية والإنسانية المرتبطة بالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي”، داعياً إلى “وضع ضوابط دولية ومؤسسات فاعلة تضمن توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة الإنسان والصالح العام، وتَحول دون استخدامها في اتخاذ قرارات تمس الحياة البشرية والحرية والكرامة الإنسانية”.
وأعرب البابا عن تقديره لحضور المشاركين ومساهماتهم”، مشيراً إلى أن “اختلاف خلفياتهم وتنوع وجهات نظرهم يجمعهما شعور مشترك بالقلق إزاء المسار الذي يتخذه تطور الذكاء الاصطناعي”. ولفت إلى أن “العالم يدرك الاتجاه الذي ينبغي سلوكه في التعامل مع هذه التكنولوجيا، لكن الخطوات العملية المطلوبة لا تزال دون المستوى المأمول”.
ثم أكد ليون الرابع عشر أن “مواجهة التحديات الكبرى في عصرنا تتطلب مقاربة متعددة الاختصاصات، تجمع العلوم والتكنولوجيا والفلسفة والأخلاق وغيرها من المجالات، ما يسمح بفهم أعمق لتعقيدات هذه المرحلة”. وذكّر في هذا السياق بمواقف البابا فرنسيس، الذي وصف الذكاء الاصطناعي بأنه “أداة مثيرة للإعجاب لكنها في الوقت نفسه تثير الخوف”.
وقدم البابا بريفوست نقاطًا أساسية ينبغي أن تشكل إطاراً للتعامل مع مستقبل الذكاء الاصطناعي، أولها أن “مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس أمراً محسوماً سلفاً، بل يتوقف على الخيارات التي يتخذها البشر، باعتباره تكنولوجيا من صنع الإنسان، ومن مسؤوليته توجيه تطبيقاتها وتعديلها، أو رفضها عندما تقتضي الضرورة ذلك”.
وشدد على أن “السؤال الأهم لا ينبغي أن يقتصر على ما تستطيع الآلات فعله، بل يجب أن يتناول الغاية التي ينبغي أن تخدمها. فالتكنولوجيا الأكثر قوة ليست بالضرورة الأفضل، إذا كانت عواقب استخدامها غير واضحة أو يصعب التحكم فيها”.
أما النقطة الثانية، فتتمثل بـ”ضرورة التمييز بين الآلات والبشر، فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا متطوراً، لا يمتلك جسداً أو مشاعر، ولا يختبر الفرح والألم، ولا يفهم الحب والصداقة والمسؤولية من خلال التجربة الإنسانية”.
وحذر البابا من “الدعوات إلى منح أنظمة الذكاء الاصطناعي حقوقاً أو شخصية قانونية، لأن ذلك قد يؤدي إلى تخفيف قيمة المسؤولية البشرية، وترك المتضررين من أخطاء هذه الأنظمة في مواجهة جهة مجهولة لا يمكن مساءلتها”.
وفي معرض حديثه عن النقطة الثالثة، أكد البابا أن “ثمة قرارات لا يجوز تفويضها للآلات، لاسيما تلك المتعلقة بحياة الإنسان وحريته واستخدام القوة”، محذراً من “مغبة اختزال الأشخاص إلى مجرد بيانات أو أرقام في قواعد المعلومات العسكرية أو أنظمة مراقبة الحدود ومشدداً على ضرورة بقاء الرقابة البشرية الفعلية والمسؤولة”.
بعدها تناول البابا، “ضرورة توجيه التكنولوجيا الذكية نحو خدمة الخير العام، وضمان استفادة جميع المجتمعات من ثمار الابتكار، سواء أكان بمجالات الرعاية الصحية أو المعرفة أو الأدوات والفرص المتاحة”. وأكد أن “التقدم التكنولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز تحتكره فئة محدودة، بل يجب أن يعزز التضامن والمشاركة، وأن تصل فوائده بصورة عادلة خصوصاً إلى الفئات الأكثر احتياجاً”.
أما النقطة الأخيرة، فـ”تتعلق بضرورة الانتقال من المبادئ الأخلاقية إلى التطبيق العملي”. وأوضح أن في هذا الإطار أن “لدى العالم مبادئ عديدة يمكن أن توجه تطوير الذكاء الاصطناعي، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذها، لاسيما مؤسسات دولية فاعلة تحمي المصلحة الإنسانية المشتركة”.
ودعا البابا إلى “اعتماد معايير موحدة، وإنشاء آليات رقابة مستقلة، وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة، ما يتيح مراجعة القرارات المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه والاعتراض عليها عند الضرورة، وضمان تعويض المتضررين من أي أضرار تنتج عنها”.
في الختام، شدد ليون الرابع عشر، على “أهمية مواصلة الحوار والتعاون بين مختلف الاختصاصات والدول، بروح من المسؤولية المشتركة”، مؤكداً أن “التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير التكنولوجيا، بل في ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان وكرامته، وأن يكون التقدم العلمي وسيلة لتحقيق الخير العام، لا مصدراً جديداً للتمييز أو التهديد”.